Search

تغريبة منصور الأعرج

سبأ حمزة




في البدء كانت الخطيئة ثم كانت الغربة وهكذا افتتحت الحياة على وجه الأرض. أخطأ سيدنا آدم وأمنا حواء فكان عقابهما أن طردا من الجنة ونفيا إلى الأرض. إذا فالأرض منفى منذ بدء الخليقة بناء على قصص الديانات السماوية. أين الجديد؟ إذا كانت العناية الإلهية قد شاءت أن تكون الخطيئة هي نقطة البدء فلابد أن الأخطاء ستكون هي الدليل السماوي لمسيرة الخلق في الأرض!


بعيدا عن رأيي في القصة، فإن منصور لم يكن يعرف متى بدأت الحياة ولكنه كان يعلم أنها ابتدأت بخطيئة أو خطأ أو ما يسمى (Natural mistake) فعرجته التي ظن أهل قريته أنها كانت بسبب الشيطان كانت بالنسبة لمنصور إعاقة يهرب منها في كل مكان ليجدها تسبقه أينما حل، وقبل أن يُعرف باسمه، يتعرف عليه الناس بعرجته.


في البدء كانت الخطيئة ثم كانت الغربة وهكذا افتتحت الحياة على وجه الأرض. أخطأ سيدنا آدم وأمنا حواء فكان عقابهما أن طردا من الجنة ونفيا إلى الأرض. إذا فالأرض منفى منذ بدء الخليقة بناء على قصص الديانات السماوية.

كان منصور يظن أن الحياة هي غزلان، ولم يكن يصدق أن الناس قد عاشوا قبل مئات السنين ناهيك عن ملايين السنين. منصور الأعرج طاف اليمن بعرجته قاصدا المكان الذي تضيع فيه خطيئة الرب أو خطيئة الطبيعة وتذوب ويكون منصورا، لكنه بقي الأعرج حتى الأبد. رسم بعرجته حدود اليمن الجغرافية فهو لا يؤمن بالتاريخ، وعثوره على الباهوت أو تعثره به إن صح القول أعطاه الدافع للبقاء بجوار قبره والتبرك به.

فهناك بجوار الأولياء تكون الخطيئة ابتلاء والحرب ابتلاء والجوع ابتلاء والجهل ابتلاء والحاجة ابتلاء والإعاقة بكل صورها ابتلاء، وبجوار الأولياء يجد المبتلون سكينتهم الخاصة لأن الناس يقدسون المبتلى بل وتقاس درجة الإيمان بكثر البلاء. هناك بجانب بن علوان ظن منصور الأعرج أنه أصبح باهوتا وأن عرجته التي ثبتتها الشمس قديسة ترافقه المحراب. وقبل الباهوت كان منصور يرى أن الشمس آلهته التي قوت إعاقته وكان يقدسها جدا ولا يسمح لأحد بالخوض في حديث سيء عنها.


يشبه منصور اليمنيين إلى حد كبير، بينما نرى اليمن في عرجته وإعاقته. ما شدني حقا في هذه التغريبة لم يكن الأسلوب الأدبي أو طريقة السرد فقط، فمنذ أن حصلت على الفصول الأولى من الرواية وأنا أفكر أين سأجد مروان ومتى وفي أي فصل سيعلن مروان الكاتب عن وجوده. ما أذهلني هو غياب مروان تماما من الرواية، غيب نفسه باحترافيه عالية وكنت أظن أنه غير قادر على ذلك، فمروان القارئ الشره يحب غالبا أن يستعرض معرفته حتى لو كان القارئ أو المستمع إليه لن يعرف شيئا عن أولئك الكتاب والمثقفين الذين يستشهد بهم في كتاباته. لقد نقل إلينا صورة مبسطة بكل عقدها عن اليمن واليمنيين. ووحدنا كيمنيين قادرين على تحديد زمن الرواية، فأي قارئ آخر لن يتصور أن اليمن كانت تعيش القرن العشرين في القرن الثالث عشر.


التعقيد يكمن في التغريبة التي نعيشها جميعا كيمنيين في هيئة منصور ومفكرين في هيئة نجيب

نعود إلى منصور الذي التقى بنجيب الأدرد القادم من أفريقيا، نجيب كان إحدى المحطات في حياة منصور وهو كشخصية ثانوية يمثل أيضا الشريحة الثانوية في مجتمع ممتلئ بمنصور. حكايات نجيب عن أفريقيا وعما وراء البحر كانت تذهل منصور الذي كان العالم ينتهي بالنسبة له عند ضريح الباهوت. منصور الذي لا يؤمن أن الناس عاشوا قبل مئات السنين كان كالطفل الذي يقبل على جدته ليسمع حكايا المساء، وعندما تنتهي يقبلها في رأسها وينام وهو يحلم بكل تلك (الخرافات) التي تجيد جدته الحديث عنها.

منصور الذي كان يصلي ويصوم لله ويعبد الباهوت والشمس ويمارس عاداته الشاذة مع البهائم تارة ومع أرملة قيم المسجد تارة أخرى كان بالرغم من كل ذلك في صفوف الجبهة الإسلامية التي حاربت الحركة الشيوعية التي أخبره عنها نجيب في أحد الأيام أنها كانت السبب في إحراق كل العرب في أفريقيا ولا يعلم كيف نجا منهم، كان نجيب يكن لهذه الحركة المقت الشديد إلا أنه حارب في صفوفهم في اليمن لينتقم من الشيخ طه الذي تزوج ذكرى أو نجيبة كما كانت تدعي قبل الزواج، حبيبة نجيب وابنة عمه التي عاد من أجلها والتي بدورها لم تتذكر من يكون.



الرواية معقدة إلى الحد الذي يجعلك تتوقف لتشرب بعض الماء وتأخذ قسطا من الراحة قبل أن تكملها مرة أخرى. التعقيد ليس في اللغة ولا في الأحداث، التعقيد يكمن في التغريبة التي نعيشها جميعا كيمنيين في هيئة منصور ومفكرين في هيئة نجيب. هكذا تبدو اليمن للأسف، أطراف متصارعة يحاولون السيطرة على ذكرى أو نجيبة ويتسترون بالدين أو التحرر منه بينما الحقيقة التي تتعرى أمامنا وتجعلنا نقف مذهولين هي أن أحدهم لم يحمل السلاح من أجل قضيته بل حمله ليقضي على عدوه، لذلك كانت كل الاشتباكات تدار بعيدا عن غرفة ذكرى وكل القذائف لا تطال غرفة نجيبة.


قالت دار الأدب التي نشرت العمل عام ٢٠١٥ أن الرواية تمثل اليمن الحقيقي البسيط وأن اسم الرواية لم يأت من فراغ فالأعرج يصف حال اليمن.

قالت دار الأدب التي نشرت العمل عام ٢٠١٥ أن الرواية تمثل اليمن الحقيقي البسيط وأن اسم الرواية لم يأت من فراغ فالأعرج يصف حال اليمن. هكذا يرانا العالم الخارجي، عبارة عن دولة عرجاء مصابة بإعاقة دائمة وهذا بسبب منصور الذي طاف اليمن ورسم جغرافيته بعرجته. أعود الآن لبداية المقال الذي قلت فيه أن في البدء كانت الخطيئة، بعد أن تأكد آدم أنه لن يعود للجنة تبشر وعاش حياته مع حواء يرجوان رضا الله وعفوه، ثم أنجبا هابيل وقابيل وكانت الخطيئة الثانية ليثبت القاتل أن الله يحبه أكثر. وهكذا، استمرت الأخطاء واستمر الشر في النمو والحروب في الانتشار والبشر بالتكاثر. لم يكن هناك سلام أبدا ولن تنتهي الخطيئة إلا بانتهاء الخلق. هكذا من منظور ديني بحت لا علاقة لرأيي به أو لوجهة نظري عنه. وهكذا يموت منصور أعرج ويولد منصور أعرج آخر وتستمر الحياة في غربة وشتات كبيرين.

مراجعتي لرواية تغريبة منصور الأعرج للكاتب والطبيب مروان الغفوري.

Recent Posts

See All